محمود الكازروني ( قطب الدين محمود الشيرازي )
58
شرح حكمة الاشراق
موضوعا لأمور ظاهرة عند الجمهور . فما تصوّر النّاس منها ، من تلك الحقيقة الجرميّة ، إلّا أمورا ظاهرة عندهم ، هي المقصودة بالتّسمية للواضع . فإذا كان حال المحسوسات ، في تعريفها بالذّاتيّات والأجزاء الغير المحسوسة على ما هو طريقة المشّائين ، كذا : في الصّعوبة وعدم حصول اليقين . فكيف حال ما لا يحسّ شئ منه أصلا ؟ : من الجواهر العقليّة والنّفسيّة ، يعنى : يكون تعريفها بالحدّ ، على ما يذكره المشّاؤون ، أصعب . ثمّ الإنسان إذا كان له شئ به تحقّقت إنسانيّته ، وهو نفسه النّاطقة ، وهو ، أي : ذلك الشّىء ، [ أعنى : حدّه المذكور ] مجهول للعامّة والخاصّة من المشّائين ، حيث جعلوا حدّه « الحيوان النّاطق » ، لأنّ الحيوان غير معلوم ، لأنّه حقيقة جرميّة ، أحد أجزائها الجسم ، وما شأنه ذلك لا يعلم منه حقيقته ، بل إنّما يعلم منه أمور ظاهرة ، كما تقدّم بيانه . واستعداد النّطق عرضىّ تابع للحقيقة ، للحقيقة الإنسانية ، والنّفس الّتى هي مبدأ هذه الأشياء ، لا تعلم الّا باللّوازم والعوارض ، لكونها غير محسوسة ، ولا أقرب إلى الإنسان من نفسه ، وحاله كذا ؛ في امتناع معرفة نفسه بطريق المشّائين ، فكيف يكون حال غيره ، من الجواهر العقليّة الّتى ( 30 ) لا تتعلّق بشئ أصلا ، ولا تحسّ ، يعنى : يكون لا محالة معرفتها بتلك الطّريقة في غاية الصّعوبة ، على أنّا نذكر فيه ، في هذا البحث ، ما يجب ، في الفصل الثّالث من المقالة الثّالثة . قاعدة إشراقية في هدم قاعدة المشائين في التّعريفات وتقريره أنّه سلّم المشّاؤون أنّ الشّىء يذكر في حدّه ، التّامّ ، الذّاتىّ العامّ والخاصّ . فالذّاتىّ العامّ الّذى ليس بجزء لذاتىّ عامّ آخر ، كالحيوان ، مثلا ، للحقيقة الكلّيّة الّتى يتغيّر بها جواب « ما هو » ، كالإنسانيّة والفرسيّة وغيرهما ، يسمّى الجنس : القريب لتلك الحقيقة . ولهذا قيّد بقوله : « الّذى ليس بجزء لذاتىّ عامّ آخر » ليخرج الجنس البعيد ، كالجسم ، مثلا ، فإنّه وإن كان ذاتيّا عامّا للحقيقة ، أي للنوع ، لكنّه جزء لذاتىّ